ظاهرة جنوح الأحداث ـ عبد الحفيظ إسماعيل


ظاهرة جنوح الأحداث

د. عبدالحفيظ إسماعيل

عرض رسالة دكتوراة للباحث عبد الحفيظ إسماعيل، في علوم التربية

العدد 11 ـ مجلد 3 ـ خريف 2003 مجلة الطفولة والتنمية 


تعتبر ظاهرة جنوح الأحداث من أهم القضايا الاجتماعية، بل من أخطرها، لما تنطوي عليه من جوانب سلبية، من شأنها تهديد النظام الاجتماعي العام وزعزعة استقراره. لذا أصبحت حالياً تحتل مكانة بارزة ضمن قائمة الموضوعات التي تحظى بالدراسة والبحث والاستقصاء؛ مما أدى إلى بناء العديد من الخطط العلاجية والتربوية والتأهيلية، بقصد تنشئة المواطن تنشئة صالحة، والحد من استفحال ظاهرة الجنوح التي تستمر في تصاعدها بشكل يثير الانتباه.

لذا اتجهت الدراسة إلى الأحداث الجانحين، لإضافة لبنة من اللبنات المتعددة في معالجة هذا الموضوع. إن ظاهرة جنوح الأحداث "ليست أمراً معزولا عن مجمل أوضاع الصحة العقلية والنفسية في المجتمع، بل هي من أبرز الأعراض التي تدل على مدى شدة المآسي والموانع التي تقف في سبيل الوصول إلى تلك الصحة العقلية والنفسية السليمة. إنها مؤشر، بل منذر بالخطورة الفعلية للوضعية" على حد تعبير مصطفى حجازى.

تعرضت الدراسة في البداية إلى النظريات التي عالجت ظاهرة جنوح الأحداث بين التدابير القضائية والتدابير التربوية، محاولين إعطاء نظرة حول الإطار القانوني لجنوح الأحداث، من خلال دراسة مقارنة لمختلف القوانين المتعلقة بالأحداث، بما فيها القانون المغربي، ثم التدابير التربوية التي عولجت من خلال نظرة حول نشأة مراكز حماية الطفولة وتطورها بالمغرب، بعدها تم التعرض لبعض الرؤى المفسرة للجنوح، بما فيها:

المنظور البيولوجي: (المجرم بالفطرة).

المنظور الإكلينيكي: (الجنوح كنمط من أنماط السلوك الاجتماعي).

المنظور الدينامي ـ النفسي: (الشخصية السيكوباتية ومدى الصحة النفسية لدى الجانح).

المنظور الاجتماعي: (المنحى الثقافي "الجنوح توحداً مع سلوك الجماعة" - المنحى الاقتصادي "الغنى والفقر كعاملين أساسيين في الجنوح" - المنحى البيئي الإكولوجي" التوزيع الجغرافي للانحراف حسب تصميم المدينة" - المنحى التفاعلي "الوصم بالسلوك الشاذ من طرف المجتمع يؤدي إلى استمرار السلوك المنحرف").

المنظور التحليلي النفسي: وجهة نظر المدرسة التحليلية من خلال:

- فرويد : الجنوح ناتج عن "أنا أعلى" عنيف.

- أيشهورن : الجنوح ناتج عن "أنا أعلى" غائب أو ضعيف جداً.

- ناشت : الجنوح ينتج إما عن "أنا أعلى" ضعيف لا يقاوم الغرائز، أو "أنا أعلى" عنيف يبحث عن العقاب من خلال مروره إلى الفعل.

- ميلاني كلاين وويني - كونت : تناولا اضطرابات العلاقات الأولية وأهميتها في نشوء السلوك الجانح.

- سبيتزو أنافرويد : ألحا على أهمية اضطراب العلاقات الأولية والانفصال المبكر وأثرهما في نشأة السلوك الجانح.

- كيستنبرغ : تشكل بالنسبة إليه عقدة أوديب نواة البنية النفسية، وتمر عبر الموضوع قبل أن يكون الموضوع نفسه مدركاً.

- برونشويك وكيشان : بالنسبة لهما .. كلما استثمرت الشبقية الذاتية بشكل مبالغ فيه ؛ أدت إلى اضطرابات على مستوى توزيع الطاقات النفسية.

تناولنا بعد ذلك التنشأة الاجتماعية والأدوار الأساسية في عملية التقمص من خلال:

- فافزبيطونيي : ترجع الجنوح إلى القصور في النضج.

- أنافرويد - سبيتزولاكاش : يُرجعان الجنوح إلى التماهي بالمعتدي.

وبالنسبة لمنظور المدرسة البلجيكية، فيرى كل من "دوبيست" و"جوس" أنه بالإضافة إلى قصور العاطفة، فعدم التناسق في تكوين الشخصية ينتج عنه اضطرابات في العلاقات، وعدم التواصل الشفوي.

أما بالنسبة للجنوح من خلال منظور علم النفس الاجتماعي للأدوار حسب كل من:

- روش بالف سبانلي: فيعتبر أن الشخصية تتكون بالاتصال مع الأدوار، وتتقوى فاعليتها بالالتقاء مع الآخر.

- بارسونس وكاليس: تتكون الشخصية بالنسبة لهما باتصالها بالأدوار واستضمارها واستبطانها لها، وما هو مستضمر ليس فقط صورة مجتمع، ولكنه عبارة عن علاقة متبادلة بين الأشخاص.

- لاكاش: ينتج الجنوح بالنسبة له عن اضطراب في عملية التقمص.

بعد ذلك تم تناول بعض النماذج التي عالجت طرق إعادة التربية بكل من المغرب، وكندا، وفرنسا.

التجربة المغربية

تطرقت الدراسة لظاهرة جنوح الأحداث بإعطاء نظرة عن الأحداث الذين استفادوا من مؤسسات حماية الطفولة، ثم التوزيع الجغرافي لهؤلاء، وكذا طبيعة الجنح المقترفة من طرفهم، كما أبرزت بعض الخصائص التي تخص الأحداث الجانحين، مثل: السن - المستوى التعليمي - الوضعية العائلية ونوع التدابير القضائية المتخذة في حقهم، وكذا بعض المتغيرات التي تميز أسر الجانحين.

وفي المبحث الثاني من هذا الفصل تم استعراض بعض النماذج لإعادة التربية، بدءاً بالتجربة المغربية بمراكز الملاحظة وإعادة التربية، والعمل التقني داخل فروع الملاحظة : (استقبال الحدث وأسرته وتشخيص حالته - البحث العائلي ومختلف الفحوص - التحليل الأولى لحالة الحدث واقتراح التوجيه) ثم العمل التقني بمراكز إعادة التربية : العمل التربوي (حياة الجماعة - النشاط التربوي - التكوين الدراسي أو المهني) ثم العمل التقني بأندية العمل الاجتماعي: "الوسط المفتوح"، وذلك وفق مقاربة تحليلة نقدية لبعض البطاقات المتعلقة بمنهجية العمل التقني بمؤسسات حماية الطفولة كجدول عام للملاحظة، والتوافق الانفعالي وغيرها، تليها وقفة تأملية نقدية لهذه التجربة.

التجربة الكندية

في مجال الملاحظة وإعادة التربية التي تعتمد النظريات السلوكية المتبعة عند كل من:

- إيريكسون : بمرجعية ثقافية أمريكية تنتهج الملاحظة الملتزمة والتحليل من منظور تطوري نمائي مركز على أهمية دور المجتمع في تناقل القيم، محدداً دور المربي الذي عليه أن يعي رغبات المراهق ويسعى إلى تحقيق توازنها داخل ما اصطلح عليه بمجتمع صغير يلقنه طرق العيش والقيم والهوية، أي ما أسماه "إيريكسون" .. التغذية، سعياً لإثبات الهوية الإيجابية عند النزيل.

- رابابورت : يعتبر إعادة التربية تأخذ جذورها من التربية نفسها، باعتبارهما متكاملتين من حيث الهدف.

- بياجي: يعتبر أن بِنَى الذكاء تنبثق من محط التوافق الحسي - حركي، الذي يحتاج باستمرار إلى التغذية التي يخلقها المجتمع والوسط. أما عن بِنَى "الأنا"، فيري "إيريكسون" أن نمو البِنَى النفسية هو تعبير صريح عن نمو "الأنا"، وأن للغرائز دوراً كبيراً وفعالاً في تحديد هذا النمو. وحول التغذية الداخلة يرى "بياجي" أن لها أهمية في استمرار إعادة التربية، من خلال قدرة بِنَى "الأنا" على الاستمرار في فعالياتها، رغم حرمانها من التعذية الخارجية، مما يفسر غياب العودة إلى الانحراف بعد العملية التقويمية.

أما عن الفاعلية، فيعتبرها واقعاً يكتسب من جراء حصول العملية التعليمية المقرونة بالنشاط والحركة التي من شأنها أن تغذي وتنمي البِنَى النفسية.

وحول سيرورة النمو الإنساني، يرى بياجي أنه توازن تدريجي ينتقل فيه الفرد من توازن بدائي إلى توازن سامٍ، ثم السلوك الإنساني يحدد الوظائف الداخلية الجوهرية المساعدة على النضج والتجارب المعاشة.

التجربة الفرنسية

تعتمد - كخلفية علمية - المدرسة التحليلية التي يتزعمها فرويد، وتعتمد بالإضافة إلى الحلقات العلاجية أنشطة مختلفة سوسيوعلاجية.

وأهم المقاييس العلاجية التي ترتكز عليها التجربة الفرنسية هي:

- الخروج: يتمحور خروج المراهق على معيارين أساسين:

- المعيار الموضوعي: متى خرج المراهق ؟، وإلى أين ذهب؟

- المعيار الذاتي: يطرح ظروف خروج الفتى، وكيفية إقامته. وكذا رأي الفريق التربوي عن مستقبله.

- الإنذار بالخروج : يحصل الإشعار بالخروج بعد التكيف مع المحيط الاجتماعي والمهني والتوافق النفسي طويل الأمد، وهذا الإشعار يتوقف على مستوى الحوار، والقدرة على مواجهة الصعاب والنضج وانفتاح العواطف. وهناك أنواع :

- إشعار جيد (اختفاء السلوك الجانح ونقصان الاضطرابات، وكذا وجود علاقات عاطفية مستقرة، والانفتاح على العالم الخارجي).

- إشعار سيئ (إعادة ظهور سلوك لا اجتماعي بالمرور إلى الفعل الانحرافي وغياب كل تطور إيجابي).

- إشعار محتفظ به (اختفاء الانحراف وتطور إيجابي نسبياً، غير أن الفتى يبقى هشاً وضعيفاً).

- فعالية الأنشطة التربوية : تعتمد التجربة الفرنسية مبدأ الحوار والإرادة، وبالتالي لا تعطي الأسبقية للدراسة، ثم العمل بل إثاره حوافز العاطلين الإراديين لحثهم على الدراسة والعمل وتعتمد أيضاً أنشطة تربوية تختار بشكل إرادي من طرف النزلاء.

- مقاربة تحليلية للتجربة الفرنسية : فيما يخص التكيف بالوسط العائلي الاجتماعي، فقد لوحظ عند عدد كبير من القدامى أن العلاج الذي ينبني على مبادئ مقبولة من طرف العامة ينجح أكثر من الطرق الكلاسيكية، كما يتبين من الإحصائيات أن الإقامة بالمركز أنقذت عدداً كبيراً من المراهقين.

وخلصت الدراسة في نهاية سرد هذه التجربة لمقاربة تحليلية نقدية للتجربة الفرنسية. أما على مستوى الجانب الميداني الذي انطلق من تحديد منهجية الدراسة، بما في ذلك تحديد المفاهيم وتعريفها إجرائياً، تلاها طرح الفرضيات ومجتمع البحث وأدواته، ثم تحديد أساليب معالجة المعطيات المحصل عليها التي تمركزت في ثلاث نقط :

- تفريغ اختبار "ساكس" لتكملة الجمل بالنسبة لكل مبحوث، ومقارنة جماعة المؤسسة المغلقة بجماعة الوسط المفتوح.

- عرض نتائج الاستبيان والمقابلة ومناقشتها.

- عرض نتائج الاستبيان والمقابلة التي تمت مع الأطر التربوية مع التعليق عليها.

بعد ذلك تناولت الدراسة عرض وتحليل النتائج، من خلال نتائج الاستمارات المعبأة التي خصت النزلاء بمختلف خصوصياتهم.

وتطرق الباحث لدراسة الحالات، كما تم عرض النتائج الخاصة بالاستمارة المعبأة مع الأطر التربوية حول معلوماتهم المهنية ومردوديتهم، وكذا علاقاتهم بالنزلاء، ورأيهم في البرامج والطرق العلاجية المستعملة بكل من الوسط المفتوح والمؤسسة المغلقة، لتخلص الدراسة في النهاية لعرض النتائج واستنتاج الخلاصات على الشكل التالي :

- بالنسبة للفرضية المتعلقة بسوء التوافق الناتج عن الانحدار من وسط أسري معين، والصراعات الانفعالية المترتبة عنه، فإن الفحص الميداني أثبت عكس ذلك (68% من الأحداث يكونون نتيجة بِنَى أسرية مفككة).

- أما الفرضية الثانية المتعلقة بمدى مردود المؤسسات الإصلاحية، فإن الفحص الميداني أثبت أن هذه العملية مرتبطة بالكفاءات البشرية والإمكانات المادية.

- كما خلصنا إلى أن الأنشطة الرياضية والسوسيو ثقافية لها دور فعال في تكييف الحدث مع حياة الجماعة وتخطيه لبعض الصعوبات التي تواجهه، وأن جل نزلاء المؤسسات المغلقة عبروا عن رغبتهم في متابعة الإجراءات التهذيبية بالوسط الطبيعي.

نتائج الدراسة وتوصيات

انطلاقاً من النتائج المنبثقة عن الميدان، التي تخص الظروف الصعبة التي تعوق العمل التربوي الإصلاحي - العلاجي، وكي يتسنى للمؤسسات الإصلاحية القيام بالدور المنوط بها على الوجه المطلوب، نقترح بعض التوصيات التي تهدف إلى النهوض بالعمل بهذا الميدان.

إن المؤسسات الإصلاحية التي تعني بالأحداث الجانحين تستهدف - نظرياً على الأقل- العلاج والتقويم والتأهيل.

- علاج شخصية الجانح.

- وتقويم سلوكه.

- وتأهيله.

وبالتالي إعداد الجانح نفسياً واجتماعياً، ليعود إلى حظيرة المجتمع مواطنا صالحاً، إلا أن هذه مهمة صعبة للمؤسسات الإصلاحية بالمغرب "تعوقها في غالب الأحيان صعوبات وعقبات، منها ما هو مادي صرف، وما هو بشري، الشيء الذي يجعل هذه المؤسسات في معظم الأحيان تقوم بحراسة الأحداث فقط. وهي بهذا لا تختلف كثيراً عن المؤسسات السجنية، نظراً لغياب شبه كلي للجوانب العلاجية والتقويمية والتأهيلية الفعالة. ولعل أخطر ما هو غائب في هذه الجوانب، المتعلق : بالطب - النفسي، الذي يمثل حجر الأساس لنجاح العملية الإصلاحية بجميع جوانبها (تشخيصاً وعلاجاً وتوجيهاً ...).

فالعملية العلاجية التي يجب أن تحتل الصدارة في المقاربة العلاجية عملاً بمبدأ تفريد العلاج، تكاد تكون منعدمة، نظراً لغياب أخصائيين نفسيين واجتماعيين وأطباء الأمراض العقلية، ومهمة هذه المجموعة من الأخصائيين هي الكشف عن شخصيات الأحداث وسلوكهم، بغية الوقوف على ما كان حافزاً أساسياً للجنوح، والوقوف كذلك على قدراتهم واستعداداتهم الذهنية واتجاهاتهم وميولهم، بغية التعرف على ظروفهم الذاتية والموضوعية. وفي ضوء نتائج هذا التشخيص الدقيق تحدد الخطة العلاجية الملائمة لكل حالة على حدة، وأحياناً بالنسبة لنفس الحدث تتغير الخطة العلاجية حسب طبيعة المرحلة التي يمر بها، وما تتميز به من خصوصيات تستدعي تفريداً في المقاربة العلاجية.

إن هذا الطاقم المتخصص - غير الموجود - لا تقتصر مهمته على التشخيص والتوجيه فقط، بل تتعدى ذلك إلى العمل عن كثب مع باقي الأطر التربوية والمهنية والإدارية من أجل تتبع الحالات وتطورها، ومنهم من يقوم بالمقابلات العلاجية، وذلك من أجل تكييف الحدث مع نفسه أولاً، حتى يسهل تكييفه مع المجتمع فيما بعد.

أما البرامج المدرسية والمهنية التي تطبق في الإصلاحيات بالمغرب، فيجب أن تكون موكولة لأشخاص متخصصين، ولهم اقتناع بفاعلية هذا التكوين الذي يمثل أداة علاجية لتهيئة الحدث وإعادته للمجتمع عضواً نافعاً، الأمر الذي يستدعي انتقاءً جيداً لهؤلاء الأطر، وتمكينهم من الحوافز المادية والمعنوية، لما تتميز به مهامهم من صعوبة، وأحيانا من مخاطر. وبالنظر إلى تطور العملية التربوية والعلاجية، فإن الضرورة تقتضي أن تتاح لهذه الأطر فرصة متابعة تحيين التكوين عن طريق التدريبات والندوات، تماشياً مع المستجدات النظرية والعملية في هذا المجال على الصعيد العالمي، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على مردوديتهم، وعلى العملية الإصلاحية بصفة عامة، وعلى الجانح بصفة خاصة.

ولتحقيق هذه الأهداف قد يكون من المناسب اقتراح مجموعة من التوصيات للاستهداء بها في أي مشروع يستهدف الرفع من مستوى المؤسسات الإصلاحية المتواجدة حالياً بالمغرب.

1- يجب أن يتم العمل بالمؤسسات الإصلاحية انطلاقاً من خلفية علمية نظرية موحدة، مما سيجعل مختلف التدخلات التربوية تكون لها خلفية علمية، وستصب في نفس المنحى، الشيء الذي سيعطيها مردودية أكثر.

2- الاهتمام بالجانب المتعلق بالطب - النفسي وإعطاؤه ما يستحق من العناية، لأنه يمثل حجر الأساس بالنسبة للعملية الإصلاحية، ويجب أن يكون ضمن الهيكلة الرسمية لكل مؤسسة إصلاحية.

3- يجب أن يكون الإيداع بالمؤسسة الإصلاحية هو الإجراء الذي لا يتخذ إلا في حق الحالات الصعبة التي تستدعي عناية خاصة. وهذا يساير الاتجاه العالمي الذي تبنته الأمم المتحدة بشأن المؤسسات الإصلاحية.

4- معظم النزلاء غالباً ما يودعون بالإصلاحيات بتهمة التشرد، على الرغم من أنهم لم يرتكبوا بعد فعلاً منحرفاً، وإن كانوا معرضين للانحراف، وهذا يتطلب التفكير بمؤسسات يعهد إليها بهذا النوع من المهددين بالانحراف. ولا يخفى ما يمكن أن يترتب عن وصم هذا النوع من الأحداث بـ "المنحرفين" من نتائج سلبية تعوق اندماجهم من جديد في المجتمع، وربما تدفعهم إلى اقتراف بعض الفعال المضادة للمجتمع .. هذا يتطلب ليس فقط إعادة النظر في المؤسسات الإصلاحية، بل كذلك في بعض النصوص الخاصة بجنوح الأحداث بصفة عامة (التشرد كجنحة، وسن الرشد الجنائي، وأدنى سن للمحاكمة ..).

5- الإيداع حتى بلوغ سن الرشد الجنائي بالإصلاحية، ثم تنفيذ باقي العقوبة في السجن، يعتبر ضرباً بعرض الحائط للعملية التربوية برمتها، من حيث فلسفتها وأهدافها النبيلة.

6- يجب توفر الظروف المادية للنزلاء (التغذية - النظافة - اللباس - الأغطية... إلخ) لما لهذه الظروف من انعكاسات على المسلسل التربوي، فلا يعقل مثلاً أن يخصص مبلغ اثني عشر درهماً في اليوم كمنحة للتغذية لتغطية الوجبات الثلاث في اليوم، في حين الطفل السوي يُعْطَى منحة قدرها خمسة عشر درهماً في اليوم.

7- إعادة النظر في بِنَى بعض المؤسسات بمرافقها المختلفة، وتجهيزها بالمتطلبات المادية التي تحتاج إليها، لتهيئ الفضاء المناسب للعملية العلاجية الإصلاحية.

8- بما أن العملية الإصلاحية تستهدف إعادة تأهيل الجانح، لإدماجه من جديد في المجتمع، فإنه من الضروري أن تبقى المؤسسة الإصلاحية على اتصال وثيق بالمجتمع المحلي، وذلك بأن يكون موقعها قريباً من هذا المجتمع المحلي، وتظل منفتحة على مختلف مرافقه. وعلى سبيل المثال .. أن يتم تمدرس بعض الأحداث بالمدارس "العادية" خارج المؤسسة، والمشاركة في بعض الأنشطة الرياضية والثقافية مع مؤسسات أخرى .. إلخ.

9- ضرورة وضع استراتيجية لقطاع الأحداث الجانحين، تشمل القطاع برمته، بما فيه الجانب القانوني، وإحداث محاكم مختصة بالأحداث، وتكوين قضاة متخصصين بقضاء الأحداث.

10- بالنسبة للفتيات، يجب إعداد مؤسسات إضافية على صعيد كل جهة، خاصة أن هناك مؤسستين فقط على صعيد المملكة، توجد الأولى بمدينة الدار البيضاء، والثانية بمدينة فاس، والمسافة التي تفرق بعض النزيلات عن أسرهن لا تخدم مصلحة التوافق العاطفي والعائلي.

11- تشجيع الأطر المتخصصة العاملة بالإصلاحيات، وتحفيزها بمكافآت وعلاوات مادية لتميز عملهم الصعب والمضني، مقارنة مع باقي الموظفين.

12- تفعيل مؤسسة الحرية المحروسة للقيام بالعمل بالوسط الطبيعي، وتدعيمها بالإمكانيات البشرية والمادية.

13- تفعيل مؤسسة الرعاية اللاحقة، وذلك بتوفير الإمكانيات المادية والبشرية لهذه المؤسسة، حتى يتسنى لها تتبع الحدث بعد خروجه من الإصلاحية، ومساعدته ليندمج من جديد في المجتمع، عن طريق إيجاد عمل له وسكن إن اقتضى الحال، والأخذ بيده عند الضرورة، حتى لا ينزلق من جديد إلى الانحراف.

14- تشجيع القطاع الخاص للمشاركة في هذا العمل الإنساني، وهذا يتطلب إعداد الإطار القانوني الذي ييسر مساهمة القطاع الخاص ومختلف الفعاليات الاجتماعية في هذه العملية التربوية والعلاجية، التي يمكن لها أن تسهم بقدر كبير في وقاية المجتمع من الانحراف والجريمة بصفة عامة، وما لذلك من انعكاسات سلبية على أمن المجتمع واستقراره.

وعلى غرار ما هو موجود ببعض الدول، ولتسهيل التواصل بين ما هو قضائي وما هو تربوي يجب خلق محاكم وقضاة متخصصين في قضاء الأحداث، وأن تعزز هذه المحاكم بخبراء ومتخصصين تسترشد بآرائهم العلمية قبل إصدار أحكامها.

إن علم الإجرام التقدمي ينادي بالعلاج غير المؤسساتي، بغية ترك الحدث في محيطه، مما يستدعي تدخل مؤسسات العمل بالوسط الطبيعي، تلك التي تتكون من مربين يشتغلون مباشرة مع السادة القضاة. وهذه الفئة من المربين في حاجة إلى إطار قانوني، يتمثل في بطاقة مهنية مسلمة من طرف وزارة العدل، تسهل لهم القيام ببعض الإجراءات أمام الأسر وبعض المؤسسات الاجتماعية (المدارس، المشغلين ..) تمكنهم من التعريف بأنفسهم وتحميهم، وهذه البطاقة المهنية يجب أن تتوفر لدى جميع المتدخلين في الحقل التربوي الإصلاحي، بما فيهم الباحثة الاجتماعية، لأنهم يرافقون الأحداث إلى المحاكم لحضور الجلسات.

- يجب العمل على التفكير في خلق مؤسسات تعنى بالمشردين، لأن هؤلاء وإن كانوا مهددين بالانحراف، فجلهم لم يقترفوا جنحة بعد.