كلمة صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن طلال آل سعود
المنتدى العربي للأرض والمناخ - النسخة الرابعة
شرم الشيخ – (4 - 5 نوفمبر 2025)

معالي اللواء الدكتور خالد مبارك، محافظ جنوب سيناء
أصحاب المعالي والسعادة،
السيدات والسادة،
الحضور الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسرني أن نلتقي مجددا على أرض الكنانة، ومن قلب شرم الشيخ، مدينة السلام، في افتتاح أعمال النسخة الرابعة من المنتدى العربي للأرض والمناخ، الذي يعقد تحت شعار: "الأرض والبحر في تناغم: نحو تعزيز مسارات الاقتصاد الأزرق من أجل منطقة عربية أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ".
ويأتي هذا المنتدى استمرارا لما بدأناه منذ عام 2022، بالشراكة بين برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند) والشبكة العربية للمنظمات الأهلية، تحت مظلة جامعة الدول العربية، كمنصة سنوية للحوار العربي، تسعى لربط قضايا التنمية والبيئة والمناخ، عبر مقاربة شاملة تضع الإنسان والبيئة في قلب مسار التنمية المستدامة.
الحضور الكريم،
إننا إذ نتحدث اليوم عن "الاقتصاد الأزرق"، فإنما نتحدث عن جوهر الحياة على كوكب الأرض؛ فالمحيطات تغطي أكثر من سبعين في المائة من سطح الكوكب، وتنتج نصف الأوكسجين الذي نتنفسه، وتمتص أكثر من تسعين في المائة من الحرارة الناتجة عن الأنشطة البشرية. وهي موطن لما يقارب ثمانين في المائة من الكائنات الحية في العالم، وتشكل العمود الفقري لاقتصاد عالمي تتجاوز قيمته اثنين ونصف تريليون دولار سنويا من السلع والخدمات، وتؤمن ما يزيد على مائتين وسبع وثلاثين مليون فرصة عمل في مجالات الصيد والنقل البحري والسياحة والطاقة.
هذه الأرقام – على ضخامتها – لا تعبر إلا عن جزء من القيمة الحقيقية للمحيطات، التي تمثل رئة الأرض، ومستودع كربونها، ومصدر غذائها وأمنها البيئي.
ولكن هذه النظم الإيكولوجية، التي دعمت طويلا استقرار المناخ والاقتصاد العالمي، تواجه اليوم ضغوطا غير مسبوقة، منها ارتفاع درجات الحرارة، وتلوث البلاستيك، والصيد الجائر، وتدهور الشعاب المرجانية وأشجار المانجروف. إنها أزمات متشابكة تفرض علينا في العالم العربي أن نعيد التفكير في علاقتنا بالبحر، لا كحدود جغرافية، بل كجسر للتنمية، ومسؤولية مشتركة.
تتميز منطقتنا العربية بثراء بحري فريد، يمتد على خمسة مسطحات رئيسية، وتعد هذه المسطحات واحدة من أكثر النظم الملاحية نشاطا على المستوى العالمي، وينعكس هذا الثقل الملاحي مباشرة على الاقتصادات العربية الساحلية. كما يعيش في البلدان العربية نسب ملحوظة من السكان في المناطق الساحلية، ما يرفع الحساسية تجاه تغير المناخ، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتآكل الشواطئ، وتلوث البحار.
وعلى جانب الفرص، يعد الاقتصاد الأزرق العربي فرصة فورية للنمو إذا أديرت الموارد بحكمة؛ إذ يشكل التحول نحو الاقتصاد الأزرق المستدام في المنطقة ضرورة لحماية مواردها البحرية، وضمان استمرار دورها في التجارة العالمية والطاقة.
إن التحول نحو الاقتصاد الأزرق المستدام ضرورة لضمان استدامة الحياة والتنمية في منطقتنا؛ فهو الاقتصاد الذي يوازن بين النمو وحماية الموارد، ويعزز الأمن الغذائي والطاقي، ويخلق فرص عمل جديدة لشبابنا في مجالات: الطاقة البحرية المتجددة، وتربية الأحياء المائية المستدامة، والتكنولوجيا الحيوية البحرية، والسياحة البيئية، والنقل البحري النظيف.
وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن قيمة الاقتصاد الأزرق العالمي قد تصل إلى ثلاثة تريليونات من الدولارات بحلول عام 2030، أي ما يعادل خامس أكبر اقتصاد في العالم. وللمنطقة العربية نصيب وافر من هذه الإمكانات، شرط أن نستثمر مواردنا البحرية بعقلانية، ونبني أطر تعاون إقليمي فعالة، تدعم الابتكار، وتمكن منظمات المجتمع المدني من أداء دورها الحيوي في التوعية والمناصرة وبناء القدرات.
الحضور الكريم،
منذ تأسيس برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، ونحن نؤمن بأن تمكين الإنسان هو جوهر التنمية، وأن أي تقدم اقتصادي لا يكتمل دون عدالة اجتماعية وعدالة بيئية. واليوم، ونحن نشهد تسارع التحول نحو الاقتصاد الأزرق، نؤكد التزامنا بمواصلة دعم الجهود التي تربط بين العمل المناخي والاقتصاد المستدام وتمكين الفئات الضعيفة والمجتمعات المحلية، بالتعاون مع شركائنا في الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، وجامعة الدول العربية، ووكالات الأمم المتحدة ذات الصلة.
كما نثمن المبادرات العربية الرائدة، مثل الاستراتيجية الوطنية للاستدامة في البحر الأحمر التي أطلقتها المملكة العربية السعودية، وانضمام عدد من الدول العربية إلى التحالف العالمي لحماية المحيطات، مما يعبر عن وعي متنامٍ بضرورة توحيد الجهود العربية لحماية البيئة البحرية وتعزيز الاقتصاد الأزرق.
الحضور الكريم،
إن هذا المنتدى هو دعوة إلى العمل المشترك، لوضع رؤية عربية موحدة حول مستقبل الأرض والبحر والمناخ؛ رؤية تستند إلى العلم، وتستثمر في الشباب، وتبني جسور التعاون بين الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
وإني على ثقة بأن مداولات هذا المنتدى ستسهم في صياغة توصيات وسياسات تعزز مكانة العالم العربي كطرف فاعل في الجهود الدولية نحو تنمية مستدامة وشاملة، تجمع بين الأخضر والأزرق، بين الأرض والبحر، بين الإنسان والطبيعة.
أكرر ترحيبي بكم، وأتمنى لأعمال المنتدى التوفيق والنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.